محمد متولي الشعراوي
5892
تفسير الشعراوى
وعلى ذلك فحقّ المؤتمن عند المؤتن خاضع لخيار المؤتمن ؛ ولذلك وجدنا السماء والأرض والجبال قالت : يا رب لا نريد أن ندخل أنفسنا في هذه التجربة ، افعل بنا ما شئت واجعلنا مقهورين ولا اختيار لنا ، ولا نريد تحمّل الأمانة . أما الإنسان فقد ميّزه اللّه بالعقل ، وقدرة الاختيار بين البدائل ؛ لذلك قبل الإنسان حمل الأمانة ، وحين جاء وقت الأداء لم يجد نفسه أمينا على الأشياء مثلما ظنّ في نفسه وقت التحمّل . وكذلك الذين يتعلمون السحر ، يقول الواحد منهم لنفسه : سوف أتعلمه لأدفع الضّرّ عن نفسي ، ونقول له : أنت لا تضمن نفسك ؛ لأنك من الأغيار ، فقد يغضبك أو يثير أعصابك إنسان ؛ فتستخدم السحر فتصيب نفسك بالرّهق . إذن : فحين قال اللّه سبحانه : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ . . ( 128 ) [ الأنعام ] أي : أخذتم من الإنس كثيرا بأن أعطيتموهم سلاحا يحقق لهم فرصة وقوة على غيرهم من البشر . وقد ذكر الحق - سبحانه وتعالى - لنا أن بعض البشر الذين استجابوا للجن قالوا : اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ . . ( 128 ) [ الأنعام ] واستمتاع الإنس بالجن مصدره أن الإنس يأخذ قوة فوق غيره من البشر ، واستمتاع الجن بالإنس مصدره أنه سوف يعين هذا الإنسان على معصيته ؛ تطبيقا لقسم إبليس اللعين : فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ « 1 » أَجْمَعِينَ . . ( 82 ) [ ص ]
--> ( 1 ) الإغواء : الإضلال . قال تعالى : فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ ( 32 ) [ الصافات ] . [ اللسان : مادة ( غوى ) ] .